فخر الدين الرازي

317

تفسير الرازي

أي أن كنتم تنتفعون بما عملتم فهو خير لكم ، وفي الآية مباحث : الأول : لم قال : * ( تؤمنون ) * بلفظ الخبر ؟ نقول : للإيذان بوجوب الامتثال ، عن ابن عباس قالوا : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملنا ، فنزلت هذه الآية ، فمكثوا ما شاء الله يقولون : يا ليتنا نعلم ما هي ؟ فدلهم الله عليها بقوله : * ( تؤمنون بالله ) * . الثاني : ما معنى : * ( إن كنتم تعلمون ) * نقول : * ( إن كنتم تعلمون ) * أنه خير لكم كان خيراً لكم ، وهذه الوجوه للكشاف ، وأما الغير فقال : الخوف من نفس العذاب لا من العذاب الأليم ، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره ، والخوف من اللوازم كقوله تعالى : * ( وخافون إن كنتم مؤمنين ) * ( آل عمران : 175 ) ومنها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * فنقول : يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين ، وهم الذين آمنوا في الظاهر ، ويمكن أن يكون أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد رسول الله ، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله : * ( فزادتهم إيماناً ) * ( التوبة : 124 ) ، * ( ليزدادوا إيماناً ) * ( الفتح : 4 ) وهو الأمر بالثبات كقوله : * ( يثبت الله الذين آمنوا ) * ( إبراهيم : 27 ) وهو الأمر بالتجدد كقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ) * ( النساء : 136 ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " من جدد وضوءه فكأنما جدد إيمانه " ، ومنها : أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن بالله ورسوله ، ولم يجاهد في سبيل الله ، وقد علق بالمجموع ، ومنها أن هذا المجموع وهو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خبر في نفس الأمر . ثم قال تعالى : * ( يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِالْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) * . اعلم أن قوله تعالى : * ( غفر لكم ذنوبكم ) * جواب قوله : * ( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ) * ( الصف : 11 ) لما أنه في معنى الأمر ، كما مر فكأنه قال : آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم ، وقيل جوابه : * ( ذلك خير لكم ) * ( الصف : 11 ) وجزم : * ( يغفر لكم ) * لما أنه ترجمة : * ( ذلكم خير لكم ) * ومحله جزم ، كقوله تعالى : * ( لولا أخرتني إلى أجل قريب ، فأصدق وأكن ) * ( المنافقون : 10 ) لأن محل * ( فأصدق ) * جزم على قوله : * ( لولا أخرتني ) * وقيل : جزم * ( يغفر لكم ) * بهل ، لأنه في معنى الأمر ، وقوله تعالى : * ( ويدخلكم جنات تجري